محمد سعيد رمضان البوطي

158

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغداة » . . وظل يناشد اللّه متضرعا وخاشعا وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر رضي اللّه عنه ، فالتزمه من ورائه وقال له : « يا رسول اللّه ! أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن اللّه لك ما وعدك » . وأقبل المسلمون أيضا يستنصرون اللّه ويستغيثونه ويخلصون له في الضراعة « 3 » . وفي صبيحة يوم الجمعة لسنتين خلتا من الهجرة بدأ القتال بين المشركين والمسلمين ، وأخذ النّبي صلّى اللّه عليه وسلم حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا وقال : « شاهت الوجوه » ، ثم نفحهم بها فلم يبق فيهم رجل إلا امتلأت عيناه منها ، وأيّد اللّه المسلمين بالملائكة يقاتلون إلى جانبهم « 4 » ، وانحسر القتال عن نصر كبير للمسلمين ، وقتل في تلك الموقعة سبعون من صناديد المشركين ، وأسر سبعون ، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا . وألقيت جثث المشركين الذين صرعوا في هذه الغزوة - وفيهم عامة صناديدهم - في قليب بدر وقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على ضفة البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : « يا فلان ويا فلان بن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم اللّه ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا ، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقا ؟ » ، فقال عمر : « يا رسول اللّه ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم » « 5 » . واستشار النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه في أمر الأسرى ، فأشار عليه أبو بكر رضي اللّه عنه أن يأخذ منهم فدية من المال تكون قوة للمسلمين ويتركهم عسى اللّه أن يهديهم ، وأشار عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بقتلهم لأنهم أئمة الكفر وصناديده ، ولكن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم مال إلى ما رآه أبو بكر من الرحمة بهم وافتدائهم بالمال ، وحكم فيهم بذلك . غير أن آيات من القرآن نزلت عتابا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك ، وتأييدا للرأي الذي رآه عمر من قتلهم ، وهي من قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً « 6 » [ الأنفال 8 / 67 ] . العبر والعظات : تنطوي غزوة بدر الكبرى على دروس وعظات جليلة ، كما تتضمن معجزات باهرة تتعلق بتأييد اللّه ونصره للمؤمنين المتمسكين بمبادئ إيمانهم المخلصين في القيام بمسؤوليات دينهم .

--> ( 3 ) ابن هشام : 1 / 205 ، وزاد المعاد : 2 / 87 ، وحديث استغاثة الرسول بربّه في غزوة بدر متفق عليه . ( 4 ) حديث تأييد للمؤمنين بالملائكة في بدر متفق عليه . ( 5 ) البخاري : 5 / 8 ، وروى مسلم نحوه في 8 / 163 ( 6 ) صحيح مسلم : 5 / 157 - 158